المتنبي ، مالئ الدنيا وشاغل الناس، كل مهتم بالأدب سيجد حتما ما يعجبه في المتنبي ، ورغم أني قرأت قديماً كتاب شاكر رحمه الله ( المتنبي ) إلا أنني لم أشعر ( بالحب ) تجاه قصائده ، بل ربما كرهت ابتذال الناس لعدد من الحكم وأبياته المشتهرة على ألسنة الخطباء والمتحدثين ..

وذات مرة كنت أستمع لأحد المحاضرين يتحدث عن في درس، وكان ضمن ما قال البيت الذي سمعته لأول مرة :

وسوى الروم خلف ظهرك روم *** فعلى أي جانبيك تميل !

أسرني هذا البيت في لحظتها ، ثم نسيته ومرت السنوات وقرأته في مكان ما ثانية ، فبحثت عنه واكتشفت أنه للمتنبي! فأردت معرفة قصة البيت وكيف يمكن الاستشهاد به ؟ لأني أيام الجامعة قرأت مقالاً ظريفاً للشيخ علي الطنطاوي اسمه ( شوارد الشواهد ) يذكر الأبيات التي يستشهد بها الأدباء والخطباء ، فبدأت في إكمال مشروعه ، وكتبت أبياتا إضافية في دفتر ، واجتمع لدي جملة صالحة من الأبيات والقصائد التي أبين فيها متى وكيف يمكن الاستشهاد بها ، ثم ضاع الدفتر والسلام .

المهم أن هذا البيت كان دائما يثير في نفسي شعورا غير عادي ، مشاعر متضاربة ، لحظة الحقيقة عندما تجد أنك محاط بالأعداء .. لحظة الحيرة وضبابية الموقف ..

بعد مدة قرأت لأحدهم مقالاً وفيه أورد بيتاً آخر والذي يقول :

كلما رحبت بنا الروض قلنا *** حلب قصدنا وأنت السبيل

أعجبني البيت جداً ، ربما لأني بطبعي أعشق الحكايات والقصص التي تصف الطريق والحركة في مسار من بلد لآخر أو من مدينة لأخرى

لكني قرأت البيت بطريقة خاطئة ، إذ جعلت ( أنت ) للمذكر وليس للمؤنث كما هو البيت في الديوان، فظننت المتنبي يقصد معنى يشبه أن يكون معنى عميقاً جدا ، أو معنى غبياً جداً أو مجنوناً ، إذ تخيلته يخاطب سيف الدولة ، إذ جعله هو السبيل إلى حلب ، أي أن الروض التي يمر عليها عليها المتنبي مع الركب ترحب به وتدعوه للنزول ، فيقول للروض حلب قصدنا ، وأنت يا سيف الدولة السبيل الذي نسير عليه أو به ! ولما فهمت هذا الفهم ، أحسست بلحظة الاكتشاف العظيمة التي تشعر فيها بالقشعريرة عند ورود المعنى السامي والعالي على النفس ! أو لحظة أبي صخر الهذلي مع هزة عصفوره الذي بلله القطر!

ثم خاب أملي عندما رجعت للديوان ووجدتها بالكسر للتأنيث ، وأن الخطاب للروض ، فشعرت بالغضب وسكت . حتى وصلت لقوله :

أنت طول الحياة للروم غاز *** فمتى الوعد أن يكون القفول ؟

قلت هذا قطعاً متصل بالبيت الذي سحرني ، ووجدته بعده ، لكن هذا البيت كان أثره أشد على نفسي من بيت وسوى الروم ..

ولا أعرف صراحة كيف أصف أثر البيت على نفسي ، سوى أن البيت إذا قرأته دخل الحزن على نفسي من جهتين ، وهي أن البيت كأنه يصف لحظة المعاناة المستمرة في قتال الروم ، ولحظة تساؤل المتنبي للحظة تحرر سيف الدولة من هذا الواجب بأن ( يتقاعد ) ويتوقف عن قتال الروم ليرتاح !

على أية حال ، كلما قرأت القصيدة ،عشت أجواء السفر وحركة القافلة البطيئة مع لحظات الهدوء والسكينة ، وكأن

وهذه الأبيات أرشحها لك للحفظ : علماً أن التعليق على بعض الأبيات مستفاد في معظمه من شرح الواحدي .

مالَنا كُلُّنا جَوٍ يا رَسولُ *** أَنا أَهوى وَقَلبُكَ المَتبولُ

كُلَّما عادَ مَن بَعَثتُ إِلَيها *** غارَ مِنّي وَخانَ فيما يَقولُ

أَفسَدَت بَينَنا الأَماناتِ عَينا *** ها وَخانَت قُلوبَهُنَّ العُقولُ

تَشتَكي ما اِشتَكَيتُ مِن أَلَمِ الشَو *** قِ إِلَيها وَالشَوقُ حَيثُ النُحولُ

  • الجوي: الذي أصابه الجوى ، وهو داء في الجوف. هكذا قال الواحدي بينما علق المحقق : وهو الهوى الباطن وشدة الوجد من عشق أو حزن، ونسبه للكليات ، وهذا أقرب . والمتبول : الذي أفسده الحب، يقول مالنا كلانا جوٍ بحبها : أنا العاشق وقلبك الفاسد بالحب .
  • يقول كلما عاد إلى الرسول ، غار علي بحبها ، لأنه رأي حسنها فحمله ذلك على الغيرة وخان فيما يؤدي من الرسالة إلي منها وإليها منها .
  • يقول عيناها بسحرهما أفسدتا عليّ أمانة الرسول ، حتى ترك الأمانة في الرسالة حباً لها ، وخانت العقول قلوبها : أي فارقت العقول القلوب بسببها.

تستمر الأبيات في الكلام عن الغزل والنسائيات ، وقد حذفتها فلترجع في الديوان ، وإنما أورد في هذا الكتاب ما أقترحه للحفظ .

 

نَحنُ أَدرى وَقَد سَأَلنا بِنَجدٍ *** أَقَصيرٌ طَريقُنا أَم يَطولُ

ذكر الواحدي في شرحه أن لابن جني رواية أخرى وهي : أطويل طريقنا أم يطول ، ورجح الرواية المذكورة.

وَكَثيرٌ مِنَ السُؤالِ اِشتِياقٌ *** وَكَثيرٌ مِن رَدِّهِ تَعليلُ

هذا البيت مثل تفسير عبارة “نحن أدرى” السابقة ، وأن السؤال مجرد علامة على الشوق والاهتمام .

لا أَقَمنا عَلى مَكانٍ وَإِن طا *** بَ وَلا يُمكِنُ المَكانَ الرَحيلُ

كُلَّما رَحَّبَت بِنا الرَوضُ قُلنا *** حَلَبٌ قَصدُنا وَأَنتِ السَبيلُ

فيكِ مَرعى جِيادِنا وَالمَطايا *** وَإِلَيها وَجيفُنا وَالذَميلُ

الوجيف ضرب من سير الخيل سريع،  والذميل سير الإبل ، والضمير في ( إليها ) لحلب.

وَالمُسَمَّونَ بِالأَميرِ كَثيرٌ *** وَالأَميرُ الَّذي بِها المَأمولُ

الَّذي زُلتَ عَنهُ شَرقاً وَغَرباً *** وَنَداهُ مُقابِلي ما يَزولُ

وَمَعي أَينَما سَلَكتُ كَأَنّي *** كُلُّ وَجهٍ لَهُ بِوَجهي كَفيلُ

قرأت شرح الواحدي وتكلم عن القلب ، وحيرني المعنى الذي قاله ، واقترح أيضا أن البيت يمكن أن يفهم بدون قلب .. لكن ببساطة يمكن أن يصاغ البيت كما يلي : أينما سلكت ولأي وجهة فلسيف الدولة كفيل بوجهي !

وَإِذا العَذلُ في النَدا زارَ سَمعاً *** فَفِداهُ العَذولُ وَالمَعذولُ

وَمَوالٍ تُحيِيهِمِ مِن يَدَيهِ *** نِعَمٌ غَيرُهُم بِها مَقتولُ

فَرَسٌ سابِقٌ وَرُمحٌ طَويلٌ *** وَدِلاصٌ زُغفٌ وَسَيفٌ صَقيلُ

كُلَّما صَبَّحَت دِيارَ عَدُوٍّ *** قالَ تِلكَ الغُيوثُ هَذي السُيولُ

دَهِمَتهُ تَطايِرُ الزَرَدَ المُحـ *** ـكَمَ عَنهُ كَما يَطيرُ النَسيلُ

تَقنِصُ الخَيلَ خَيلَهُ قَنَصَ الوَحـ *** ـشِ وَيَستَأسِرُ الخَميسَ الرَعيلُ

وَإِذا الحَربُ أَعرَضَت زَعَمَ الهَو *** لُ لِعَينَيهِ أَنَّهُ تَهويلُ

وَإِذا صَحَّ فَالزَمانُ صَحيحٌ *** وَإِذا اِعتَلَّ فَالزَمانُ عَليلُ

وَإِذا غابَ وَجهُهُ عَن مَكانٍ *** فَبِهِ مِن ثَناهُ وَجهٌ جَميلُ

لَيسَ إِلّاكَ يا عَلِيُّ هُمامٌ *** سَيفُهُ دونَ عِرضِهِ مَسلولُ

كَيفَ لا يَأمَنُ العِراقُ وَمِصرٌ *** وَسَراياكَ دونَها وَالخُيولُ

لَو تَحَرَّفتَ عَن طَريقِ الأَعادي *** رَبَطَ السِدرُ خَيلَهُم وَالنَخيلُ

وَدَرى مَن أَعَزَّهُ الدَفعُ عَنهُ *** فيهِما أَنَّهُ الحَقيرُ الذَليلُ

أَنتَ طولَ الحَياةِ لِلرومِ غازٍ *** فَمَتى الوَعدُ أَن يَكونَ القُفولُ

وَسِوى الرومِ خَلفَ ظَهرِكَ رومٌ *** فَعَلى أَيِّ جانِبَيكَ تَميلُ

قَعَدَ الناسُ كُلُّهُم عَن مَساعي *** كَ وَقامَت بِها القَنا وَالنُصولُ

ما الَّذي عِندَهُ تُدارُ المَنايا *** كَالَّذي عِندَهُ تُدارُ الشَمولُ

لَستُ أَرضى بِأَن تَكونَ جَواداً *** وَزَماني بِأَن أَراكَ بَخيلُ