هذه القصيدة سمعت جزءاً منها في حصة الأدب في الثانوية على يد استاذ سوري نسيت اسمه الان كان ينطق حرف السين بطريقة جميلة ورائعة

فأحببت القصيدة بسبب حرف السين .. في إحدى الحصص استطرد هذا المدرس في الشرح ثم وصلنا لقصيدة قال إنها تسمي سينية البحتري ، وكانت أول مرة أسمع عنه .. ثم ذكر لنا أول خمسة أبيات تقريباً ، وشرح الأبيات ودكر مناسبة القصيدة ، فتأثرت جداً بإلقائه وأحببتها وأعجبتني بشكل استثنائي

وما حكاية القصيدة ؟

كان البحتري مقرباً للمتوكل ، فلما قتل المتوكل غيلة وقد حضر حادثة الاغتيال وشاهد المؤامرة بنفسه رثاه بقصيدة شهيرة معروفة مطلعها :

مَحَلٌّ عَلى القاطولِ أَخلَقَ داثِرُه *** وَعادَت صُروفُ الدَهرِ جَيشاً تُغاوِرُه

والقاطول موضع على دجلة كان به قصر المتوكل المسمى الجعفري. 

ومن ضمنها البيت الذي يعرض بابنه الذي يعتقد أنه شارك في مؤامرة الاغتيال :

أكان وليُّ العهد أضمر غدرة *** فمن عجبٍ أن وُلِّيَ العهدَ غادرُهُ

المهم أن البحتري بعد هذه القصيدة وبعد حادثة الاغتيال وتعريضه بولي العهد ( المنتصر بالله ) ابن المتوكل ، ضاقت نفسه وضاقت عليه بغداد فتوجه في رحلة للمدائن ، وزار إيوان كسرى ، وهناك قال قصيدته الشهيرة .. هذه القصة الأشهر، لكن الصيرفي يرجح في تحقيقه لديوان البحتري أن القصيدة نظمها البحتري بعد ٢٣ سنة تقريباً ، وأنه بعد اغتيال المتوكل توجه للحجاز فحج  ، وعاد فمدح المنتصر ..

الأبيات التي أرشحها للحفظ :

صنت نفسي عما يدنس نفسي *** وَتَرَفَّعتُ عَن جَدا كُلِّ جِبسِ
وَتَماسَكتُ حينَ زَعزَعَني الدَهـ *** ـرُ التِماسًا مِنهُ لِتَعسي وَنَكسي
بُلَغٌ مِن صُبابَةِ العَيشِ عِندي *** طَفَّفَتها الأَيّامُ تَطفيفَ بَخسِ
وَبَعيدٌ مابَينَ وارِدِ رِفْهٍ *** عَلَلٍ شُربُهُ وَوارِدِ خِمسِ
وَكَأَنَّ الزَمانَ أَصبَحَ مَحمو *** لًا هَواهُ مَعَ الأَخَسِّ الأَخَسِّ

  • البلغ : جمع بلغة وهي ما يتبلغ به في العيش ولا يفضل منه شيء ، والصبابة البقية من الماء.
  • الجبس اللئيم والجبان ، والجدا العطاء ، ووارد رفه يعنى أن هناك فرق بين الإبل التي ترد الماء رفهاً متى شاءت، وتشرب شرب العلل أي الشرب الثاني بعد الأول الذي هو النهل ، بمعنى أنها تشرب وليست عطشى ، مقارنة بالإبل التي ترد الماء  بعد خِمس : من أظماء الإبل وهي أن ترعى ثلاثة أيام وترد في اليوم الرابع. يصف حاله هنا ..

وَاشتِرائي العِراقَ خُطَّةُ غَبنٍ *** بَعدَ بَيعي الشَآمَ بَيعَةَ وَكسِ
لاتَرُزني مُزاوِلًا لِاختِباري *** بَعدَ هَذي البَلوى فَتُنكِرَ مَسّي
وَقَديمًا عَهِدَتني ذا هَناتٍ *** آبِياتٍ عَلى الدَنِيّاتِ شُمسِ
وَلَقَد رابَني نُبُوُّ ابنُ عَمّي *** بَعدَ لينٍ مِن جانِبَيهِ وَأُنسِ
وَإِذا ماجُفيتُ كُنتُ جَديرًا *** أَن أَرى غَيرَ مُصبِحٍ حَيثُ أُمسي

  • لا ترزنى ،رازه يروزه : جربه ،  أي لا تجربني .. ولا تزرني تصحيف.
  • والشُمُس : العنيدة التي لا تذل.
  • وابن عمه هنا هو الراهب عبدون بن مخلد.

حَضَرَت رَحلِيَ الهُمومُ فَوَجَّهـ *** ـتُ إِلى أَبيَضِ المَدائِنِ عَنسي
أَتَسَلّى عَنِ الحُظوظِ وَآسى *** لِمَحَلٍّ مِن آلِ ساسانَ دَرسِ
أَذكَرتِنيهُمُ الخُطوبُ التَوالي *** وَلَقَد تُذكِرُ الخُطوبُ وَتُنسي

أبيض المدائن هو إيوان كسرى .

وَإِذا مارَأَيتَ صورَةَ أَنطا *** كِيَّةَ اِرتَعتَ بَينَ رومٍ وَفُرسِ
وَالمَنايا مَواثِلٌ وَأَنوشِر *** وانَ يُزجى الصُفوفَ تَحتَ الدِرَفسِ
في اخضِرارٍ مِنَ اللِباسِ عَلى أَصـ *** ـفَرَ يَختالُ في صَبيغَةِ وَرسِ
وَعِراكُ الرِجالِ بَينَ يَدَيهِ *** في خُفوتٍ مِنهُم وَإِغماضِ جَرسِ
مِن مُشيحٍ يَهوى بِعامِلِ رُمحٍ *** وَمُليحٍ مِنَ السِنانِ بِتُرسِ
تَصِفُ العَينُ أَنَّهُم جِدُّ أَحيا *** ءَ لَهُم بَينَهُم إِشارَةُ خُرسِ
يَغتَلي فيهِم ارتِابي حَتّى *** تَتَقَرّاهُمُ يَدايَ بِلَمسِ

  • الدرفس : العلم الكبير ،وكان في الإيوان صورة كسرى أنوشروان وبعض أحداث المعركة أي معركة أنطاكية التي  وقعت سنة ٥٤٠ م بين الفرس والروم وفيها انتصر الفرس.
  • الورس نبات يعطي صبغة بلون يشبه لون الزعفران، وهذا البيت وما بعده يصف فيها المعركة من خلال الصور التي رآها في القصر.
  • مشيح : الحذر المجد ، والصورة تصف جندياً يهوي بصدر رمحه على جندي آخر مليح من السنان بترس: أي خائف حذر يتقي ضربة سنان الرمح بترس.
  • يغتلي ، من الغلو أن تجاوز الحد وزاد .. يعني أن مشهد المعركة جعله يشك أنهم أحياء كما في البيت السابق وبلغ الأمر من المبالغة وشكه أنهم أحياء لدرجة أنه أخذ يلمس الصور ويتتبعها بيده..

أظن أن هذه الأبيات كافية لوضعك في جو القصيدة ، وهي أبيات في ظني يسهل حفظها . والقصيدة ٥٦ بيتا ، اخترت لك منها ٢٠ بيتاً.

صورة لأطلال إيوان كسرى